فخر الدين الرازي
204
القضاء والقدر
صريح مذهبنا في أنه لا يقبح من اللّه شيء . وليس لأحد على اللّه حق . ولا يلزمه تعالى ، بسبب أفعال العباد شيء . وكل ذلك يبطل قول المعتزلة . واللّه أعلم . الحجة السادسة عشر : ما رواه الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى لما وعد موسى أن يكلمه ، خرج في الوقت الذي وعده اللّه » قال : « فبينا هو يناجي ربه ، إذ سمع خلفه صوتا . فقال : اللهم اسمع خلفي صوتا . لعل قومي ضلّوا . قال : نعم يا موسى . قال : إلهي . فمن أضلهم ؟ فقال : أضلهم السامري . قال : إلهي . فيم أضلهم ؟ قال : صاغ لهم عجلا جسدا ، له خوار . قال : إلهي . هذا السامري ، صاغ لهم العجل ، فمن نفخ فيه الروح ، حتى صار له خوار ؟ قال : أنا يا موسى . قال : فو عزتك يا إلهي . ما أضل قومي غيرك . قال : صدقت يا حكيم الحكماء . لا ينبغي لحكيم أن يكون أحكم منك » « 1 » . قال الكعبي في بعض تصانيفه : هذا الخبر ضعيف . وبيانه من وجوه : الأول : إن هذا الخبر ، اشتمل على تكذيب اللّه . لأنه تعالى قال : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ « 2 » والحديث دل على أن موسى حلف بعزة اللّه : أنه ما أضلهم غير اللّه . وإذا كان المضل هو اللّه ، فالسامري لا يكون مضلا لهم ، مع أن اللّه تعالى قال : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فيكون هذا تصريحا من موسى بتكذيب اللّه ، وحاشاه من مثل هذا المقال . والثاني : في هذا الحديث . أن موسى صلى اللّه عليه وسلم أحكم الحكماء ، بسبب أنه أضاف ذلك الإضلال إلى اللّه ، وأن اللّه أضاف الإضلال إلى السامري في القرآن ، حيث قال : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ وهذا يقتضي أن يكون موسى عليه السلام أكثر حكمة وعلما من اللّه - تعالى عما يقول الظالمون - . والثالث : إن موسى عند اشتغاله بمناجاة اللّه ، ما كان بحيث يسمع صوت قومه . والرابع : إنه لما سمع ذلك الصوت ، لم يفهم كلامهم ، فكيف عرف بمجرد سماع الصوت ، أن القوم قد ضلوا ؟ . والجواب عن الأول : ظاهر على قولنا : إن مجموع القدرة مع الداعي ، يوجب الفعل . وذلك لأن السامري « أضلهم » على معنى أنهم إنما ضلوا بسبب الفعل الصادر عنه . واللّه تعالى أضلهم بمعنى أنه تعالى هو الذي خلق القدرة والداعية ، اللذين صار مجموعهما موجبا لحصول ذلك الفعل . فأحدهما : سبب قريب . والآخر : سبب بعيد .
--> ( 1 ) عزاه السيوطي في الدر المنثور لابن مردويه عن وهب - لا كعب - بن مالك رضي اللّه عنه مرفوعا به ( 4 / 304 ) . ولعله خطأ من الناسخ . ( 2 ) سورة طه الآية 85 .